تاريخ المسؤولية الاجتماعية
منذبدء الحياة على سطح الأرض بدأ الإنسان يتطلع إلى المستقبل ، فلم يجد سوى التعايش والتعاون مع الآخرين كأساس يضمن له الاستمرارية والبقاء.و من هنا كانت البدايات الاولى لظهور مفهوم المسؤولية الاجتماعية والذي تشكل مع نشأة المجتمعات و تطور مع مرور الزمن و تطور الحضارات.
ثم ترسخت المفاهيم الاجتماعية بشكل أكبر بعد ظهور الاديان ، فأسفار الكتاب المقدس بعهديه تمتلئ بالوصايا التي تحث على مساعدة الآخرين و ما العشور إلا نموذجاً لذلك . ثم جاء خاتم الأديان السماوية " الإسلام " ليركز على التكافل الاجتماعي من خلال اقراره لمجموعة كبيرة من اشكال العطاء الديني مثل الوقف والزكاة والصدقات.
و مع انطلاق الثورة الصناعية و دوران العجلة الاقتصادية و تزايد حركتها المخيفة و سيادة معايير الربحية كمقياس للنجاح، و سيطرة القطاع الخاص على آليات السوق بدأت الأصوات ترتفع مطالبة بدور ملزم وحقيقي للشركات لتساهم في تنمية المجتمعات التي تعمل فيها وتحقق من خلالها الأرباح الكبيرة.
فمن هنا أخذت الكثير من الشركات راغبة أو مرغمة بالتعامل مع هذه المطالب، وبدأت حركة التفاعل تظهر بشكل اكبر مع المجتمع فارضة على نفسها التزامات أخلاقية دون أن تتخلى عن أهدافها الربحية.
و في مطلع السبعينيات من القرن الماضي بدأ مفهوم المسؤولية الاجتماعية يأخذ أبعادا اكبر و لم يعد الامر يتعلق بالانشطة التطوعية او التبرعات بل تعداه ليصبح برامج وخططا واستراتيجيات.
وقبل حلول الالفية الحالية اطلق الامين العام السابق للامم المتحدة كوفي عنان مبادرته التى تسعى الى تفعيل دور الشركات في المجتمع والتى سميت بالاتفاق العالمي الذي يضم مجموعة من المبادىء الرئيسية ويكرس مفاهيم التعاون بين قطاع الاعمال والمجتمعات التى تعمل فيها.
مفهومالمسؤولية الاجتماعية
لم يعد تقييم شركات القطاع الخاص في وقتنا الراهن يعتمد على ربحيتها فحسب، و لم تعد تلك الشركات تعتمد في بناء سمعتها على مراكزها المالية فقط، بل ظهرت مفاهيم حديثة تساعد على خلق بيئة عمل قادرة على التعامل مع التطورات المتسارعة في الجوانب الاقتصادية والإدارية والتكنولوجية حول أنحاء العالم.
ومن أبرز هذه المفاهيم مفهوم "المسؤولية الاجتماعية للشركات" ، فادركت مؤسسات القطاع الخاص أنها غير معزولة عن المجتمع، و ألتفتت إلى ضرورة توسيع نشاطاتها لتشمل ما هو أكثر من النشاطات الإنتاجية و المادية مثل هموم المجتمع و العناية بالبيئة على سبيل المثال ، كما تنبهت إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الأضلاع الثلاثة التي عرّفها مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة وهي " النمو الاقتصادي - التقدم الاجتماعي - وحماية البيئة ".
و حتى اليوم لم يتم تعريف مفهوم" المسؤولية الاجتماعية " بشكل محدد و قاطع يكسبه قوة إلزام قانونية ، بل لا تزال هذه المسؤولية أدبية ومعنوية في جوهرها ، بمعنى أنها تستمد قوتها وقبولها وانتشارها بين الشركات من طبيعتها الطوعية الاختيارية ، و بالتالي تعددت صور مبادرات وفعاليات المسؤولية الاجتماعية على حسب طبيعة البيئة المحيطة، ونطاق نشاط الشركة وأشكاله، وما تتمتع به كل شركة من قدرة مالية وبشرية.
و هناك عدة تعريفات وضعت لمفهوم " المسؤولية الاجتماعية للشركات" تختلف باختلاف وجهات النظر نحو تحديد شكل هذه المسؤولية إلا أنها تتفق من حيث المضمون ، و في ما يلي مجموعة من هذه التعريفات :
يرى البعض المسؤولية الاجتماعية على أنها تذكير للشركات بمسؤولياتها و واجباتها إزاء مجتمعها الذي تنتسب إليه، بينما يرى البعض الآخر أن مقتضى هذه المسؤولية لا يتجاوز مجرد مبادرات اختيارية تقوم بها الشركات صاحبة الشأن بإرادتها المنفردة تجاه المجتمع ، و هناك آخرون يرون المسؤولية الاجتماعية بمثابة صورة من صور الملائمة الاجتماعية الواجبة على الشركات.
عرف مجلسالأعمال العالمي للتنمية المستدامة المسؤولية الاجتماعية على أنها " الالتزام المستمر من قبل شركات الأعمال بالتصرفأخلاقياً والمساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والعمل على تحسين نوعية الظروفالمعيشية للقوى العاملة وعائلاتهم، والمجتمع المحلي والمجتمع ككل" .
عرف البنك الدولي مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات ومجتمع الأعمال بصفة عامة على أنها " التزام أصحاب النشاطات التجارية بالمساهمة في التنمية المستدامة من خلال العمل مع موظفيهم وعائلاتهم و المجتمع المحلي و المجتمع ككل لتحسين مستوى معيشة الناس بأسلوب يخدم التجارة و يخدم التنمية في آن واحد ".
عرفت الغرفة التجارية العالمية المسؤولية الاجتماعية بأنها " جميع المحاولات التي تساهم في تطوع الشركات لتحقيق التنمية و ذلك لاعتبارات و أسباب أخلاقية و اجتماعية ، و تعتمد المسؤولية الاجتماعية على المبادرات الحسنة من القطاع الخاص سواء كان شركات أو رجال الأعمال دون وجود إجراءات ملزمة قانونيا ، و بهذا فإن المسؤولية الاجتماعية تتحقق من خلال الإقناع و التعليم ".
لماذا نمارس المسؤولية الاجتماعية؟
أشارت الدراسات التي قامت بها "منظمة تسخير الأعمال التجارية لصالح المسؤولية الاجتماعية" في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن الشركات التي توازن بين مصالحها و مصالح حاملي الأسهم حققت معدلات نمو ومعدلات توليد عمالة ماهرة تفوق الشركات الأخرى بنسبة أربعة أضعاف.
فمن المعروف أن الشركات التجارية والاقتصادية والمالية سواء الوطنية أو الدولية ليست بشركات خيرية بل أن هاجسها الأساسي هو تحقيق أكبر عائد ممكن من الربح على أصحابها. و من هنا تبلور فكرة وجوب تذكير الشركات بمسؤولياتها الاجتماعية والأخلاقية اتجاه مجتمعاتها حتى لا يكون تحقيق ارباحها عائداً من أمور غير مقبولة أخلاقياً أو قانونياً كتشغيل الأطفال، الإخلال بالمساواة في الأجور أو شروط العمل، الحرمان من الحقوق الأساسية للفرد و غيرها.
كما أنه من المتفق عليه أن الدور الرئيسي الذي تلعبه الشركات أنها المصدر الأساسي في المجتمع للثروة والتحديث وتوليد فرص العمل، مما يفرض عليها القيام بواجباتها الاجتماعية وفقاً للمفاهيم الحديثة . بالإضافة الى أن التطورات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في عصرنا الحالي الذي يتسم بالتغير السريع يحتّم على الشركات القيام بذلك الدور أيضاً. و مما يساعدها على ذلك ان هذه المسؤولية ليست جامدة بطبيعتها بل لها صفة الديناميكية والواقعية و تتصف بالتطور المستمر فتتكيف بسرعة وفقا لمصالحها و بحسب المتغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
كما أن قيام الشركات بدورها تجاه المسؤولية الاجتماعية يضمن إلى حد ما دعم أفراد المجتمع لأهدافها ورسالتها التنموية والاعتراف بوجودها، إلى جانب المساهمة في إنجاح أهدافها وفق ما خطط له مسبقاً، و المساهمة في سدّ احتياجات المجتمع ومتطلباته الحياتية والمعيشية الضرورية، علاوة على خلق فرص عمل جديدة من خلال إقامة مشاريع خيرية واجتماعية ذات طابع تنموي. ومن بين الفوائد التي تجنيها الشركات أيضا تقليصتكاليف التشغيل، تحسين الصورة العامة لمنتجاتها و سمعتها، زيادة المبيعات،إخلاص العملاء، و زيادة الإنتاجية والنوعية.
الميثاق العالمي للمسؤولية الاجتماعية:
اقترح الأمين العام السابق للأمم المتحدة السيد كوفي عنان لأول مرة الاتفاق العالمي في خطابه أمام المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد في 31 يناير/ كانون الثاني 1999، وقد تم إطلاق المرحلة التنفيذية للاتفاق العالمي في مقر الأمم المتحدة في نيويورك في 26 يوليو / تموز 2000. وطالب الأمين العام قادة الأعمال بالانضمام إلى المبادرة الدولية- الاتفاق العالمي- التي تجمع الشركات بهيئات الأمم المتحدة ومنظمات العمل والمجتمع المدني لدعم المبادئ العشرة في مجالات حقوق الإنسان والعمل والبيئة.
ويسعى الاتفاق العالمي، من خلال قوة العمل الجماعي، إلى تعزيز مواطنة الشركات بحيث يمكن لقطاع الأعمال أن يصبح جزءا من الحل في مواجهة تحديات العولمة. وبهذه الطريقة، يمكن أن يساهم القطاع الخاص- بالشراكة مع أطراف اجتماعية أخرى- في قيام اقتصاد عالمي أكثر استدامة وشمولية.
وتشارك اليوم مئات من الشركات من مختلف مناطق العالم ومنظمات العمل الدولية والمجتمع المدني في الاتفاق العالمي الذي يعتبر مبادرة مباشرة من الأمين العام، ويتحلى موظفوه وعملياته بالبساطة والمرونة.
إن الاتفاق العالمي هو عبارة عن مبادرة طوعية لتعزيز مواطنة الشركات من خلال تحقيق هدفين:
أولا : جعل الاتفاق العالمي ومبادئه جزءا من إستراتيجية القطاع العام وعملياته.
ثانيا : تيسير التعاون فيما بين أصحاب المصالح الرئيسيين وتعزيز الشراكات دعما لأهداف الأمم المتحدة.
و لا يعتبر الاتفاق العالمي أداة تنظيمية فهو لا "ينظم" أو يفرض أو يقيس سلوكيات أو أعمال الشركات، بل أنه يستند إلى المساءلة العامة والشفافية والمصلحة الذاتية المتنورة للشركات ومنظمات العمل للشروع في إجراءات هامة وتبادلها سعيا إلى تحقيق المبادئ التي يقوم عليها الاتفاق العالمي.
و قد حدث تطور آخر على الإتفاق العالمي و ذلك خلال قمة القادة بتاريخ 26 يونيو / حزيران 2004 ، عندما تعهد عدد من رؤساء العمل حول العالم بالتزامهم لمحاربة الفساد. و نتيجة لذلك الالتزام تم إضافة مبدأ عاشر إلى مبادئ الاتفاق العالمي و نصه كالتالي " يجب أن تعمل مؤسسة العمل على محاربة الفساد بكافة أشكاله بما في ذلك الابتزاز و الرشوة".
يقوم الاتفاق العالمي على عشرة مبادىء في مجالات حقوق الإنسان والعمل والبيئة و تتمتع هذه المبادئ بإجماع عالمي في الآراء، إذ انها نابعة من ثلاثة مصادر هي:
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
إعلان منظمة العمل الدولية بشأن المبادئ والحقوق الأساسية في العمل.
إعلان ريو الخاص بالبيئة والتنمية.
أما المبادىء العشرة للاتفاق العالمي فهي كالتالي :
مبادىء حقوق الإنسان :
المبدأ رقم 1: يتعين على شركات الأعمال دعم واحترام حماية حقوق الإنسان المعلنة دوليا ضمن نطاق تأثيرها.
المبدأ رقم 2: ضمان عدم ضلوع الشركات في أي انتهاكات لحقوق الإنسان.
مبادىء معايير العمل :
المبدأ رقم 3: يتعين على شركات الأعمال الحفاظ على حرية اختيار العلاقات والاعتراف الفعلي بحق إبرام الصفقات الجماعية.
المبدأ رقم 4: القضاء على كافة أشكال العمل القسري والجبري.
المبدأ رقم 5: الإلغاء الفعلي لعمالة الأطفال.
المبدأ رقم 6: القضاء على التمييز في الوظائف والمهن.
مبادىء الـبـيـئـــــــة :
المبدأ رقم 7: يتعين على شركات الأعمال دعم نهج وقائي يتعلق بالتحديات التي تواجهها البيئة.
المبدأ رقم 8: الاضطلاع بمبادرات لتشجيع المزيد من المسؤولية تجاه البيئة.
المبدأ رقم 9: التشجيع على تطوير وتعميم تقنيات صديقة للبيئة.
مبادىء محاربة الفساد :
المبدأ رقم 10 : يجب أن تعمل مؤسسة العمل على محاربة الفساد بكافة أشكاله بما في ذلك الابتزاز و الرشوة