الزمن الماضي
يعد المجتمع الكويتي مجتمعا تكافليا متعاونا بطبعه ، وقد اكتسب هذه السمةالمتميزة من علاقات العمل والإنتاج التي سادت فيه قبل عصر النفط ، والتي كانتقائمة بالدرجة الأولى على السفر والتجارة البحرية ، حيث الانقطاع عن الوطن لشهورطويلة ، وترك الأسر وأفرادها في رعاية الآخرين من الأقارب والمعارف والجيران حتىالعودة ، و كان هؤلاء الرجال الذين ركبوا الصعاب يشكلون - في الأغلب - حوالي 95% منإجمالي قوة العمل الوطنية.
و قد تجلت صور التعاون والإخاء والترابط بين الشعب الكويتي في أحداث ووقائع عديدة على مر التاريخ، لكننانستطيع حصرها في أمرين يعتبران ركيزتين أساسيتين لانطلاقة العمل الاجتماعي الكويتي و هما :
· الركيزة الأولى : ما أكده الإسلام في محكم كتاب الله و السنة النبوية من مبادئ وقيم مثلى.
· الركيزة الثانية : ما حمله التراث الكويتي ، ومأثوراته الشعبية ، ووقائعه التاريخية منعادات وتقاليد و ممارسات تؤكد جميعها أن أهل الكويت يميلون بطبعهم نحو عمل الخير، والتنادي لمساعدة بعضهم البعض.
كما نستطيع أن نستشف من الأحداث والوقائع التاريخية أن الكويتيين كانوا منذ النشأةالأولى للمجتمع أسرة واحدة، و قد أورد الشيخ يوسف بن عيسي القناعي في كتابه "صفحاتمن تاريخ الكويت" عددا من تلك الوقائع نذكر منها :
سنة الطاعون:
في عام 1247هـ الموافق 1831م فتك مرض الطاعون بأهل الكويت لدرجة أن الناس أصابهمالعجز واليأس حتى من دفن موتاهم في المقابر ، فأخذوا يدفنونهم في بيوتهم ولولاتضامنهم وتعاونهم في تلك المحنة لهب الجميع تاركين الوطن يواجه مصيره المجهول.
سنة الطبعة:
كلمة الطبعة تعتبر واحدة من مفردات اللهجة الكويتية ، وتعني الغرق ، فقد غرق عام 1288هـالموافق 1871م عدد كبير من سفن الكويتيين بسبب طوفان عظيم حدث و هم في طريق عودتهم بينالهند ومسقط ، ولم يسلم من ذلك إلا النادر من السفن ، و قد أصيبت بيوت كويتية عديدةفي هذه المأساة ، وكان عزاؤهم الوحيد هو التفاف شعب الكويت حولهم ، ومدهم بمايحتاجون إليه من متطلبات الحياة.
أما مؤرخ الكويت الشيخ عبد العزيز الرشيد ، فقد أورد في كتابه " تاريخ الكويت "نماذج وصورا أخرى لذلك السلوك الاجتماعي التكافلي الذي جبل عليه أهل الكويت ، و نذكرمنها :
الرجبية :
سميت هذه الحادثة بالرجبية نسبة إلى الأمطار الغزيرة التي هطلت على الكويت في شهر رجب عام 1289 هـالموافق 1872م ، وأصاب الكويتيين منها الشيء الكثير ، لكنه لم يكن في مستوى المأساةالتي أصابتهم والتي عرفت فيما بعد " بسنة الهدامة ".
سنة الدبا :
الدبا هو صغار الجراد الذي لا يقوى على الطيران، و قد اجتاح الكويت عام1307 هـ الموافـق 1889م ، زحف هائل من هذا الجراد ، فغطى الطرق والمساكن وكل شبرعلى أرض الكويت ، ودمر كل ما هو أخضر ويابس ، وامتلأت منه الآبار حتى تعفنت ، فبذل الكويتيون متضامنين متعاونين الجهد الكبير في القضاء عليه ، وكانت الخسائرفادحة للجميع .
ثم جاءت البداية الأولى للعمل الاجتماعي والتطوعي المنظم في الكويت عندما تأسست الجمعية الخيرية عام 1331هـ الموافق 1913م.
وفي ظل هذه المفاهيم العصرية ، وترسيخا لتلك الأعراف والتقاليد والعوائد التيسادت بين الشعب الكويتي ، و مع اللحظات الأولى من تدفق عوائد النفط بدأت الكويتخطواتها الأولى نحو الأخذ بأسباب الرعاية والخدمة الاجتماعية. فسارعت الحكومةوبتوجيه من أمير البلاد المغفور له الشيخ عبد الله السالم الصباح طيب الله ثراه ،وعلى وجه التحديد في 14/12/1954م ، بإصدار قرار من اللجنة التنفيذية العليا تحت رقم( ت 41/ 63 ) بإنشاء " دائرة الشؤون الاجتماعية " سعيا لتحقيق الرعاية الاجتماعية لكافةالمواطنين ، وتقديم الخدمات الاجتماعية لمن يطلبونها وعلي وجه التحديد ذويالاحتياجات الخاصة ، وكذلك العمل على تنظيم الاستخدام على المستويين الحكوميوالأهلي، ومكافحة البطالة ، وتدريب العمالة الوطنية ، وتسوية الشكاوي العمالية، إلى جانب تولي الأمور المتصلة بالإرشاد والتوجيه الاجتماعي من خلال المطبوعاتوالإصدارات الدورية وغيرها من الوسائل الإعلامية.
و مع استقلال الكويت في يونيو عام 1961م، وانتقال المجتمع الكويتي من مرحلةالإمارة إلى مرحلة الدولة، وما تبعها بالضرورة من تطور في الإدارة الحكومية وتحديثلها انتقلت الدوائر بموجبها إلى وزارات.وكانت وزارة الشئون الاجتماعية والعمل واحدة من هذه الدوائر التي أصبحت وزارة ،وذلك وفقا للمرسوم الأميري رقم (2) لسنة 1962م الذي صدر في 17/1/1962م ، لتحملالدائرة اسم "وزارة الشئون الاجتماعية والعمل ".
من هنا ، يجب علينا أن نذكر ميادين الرعاية والخدمات الاجتماعية التي اهتمت بهاالحكومة والرواد الأوائل للعمل الاجتماعي في الكويت حيث قاموا بإنجازات رائعة فيهاو مازالت تمتد إلي يومنا الحاضر و منها " الضمان الاجتماعي - الرعاية الاجتماعية للفئات الخاصة - التنمية الاجتماعية - الخدمة الاجتماعية العمالية - الخدمة الاجتماعية المدرسية- الخدمة الاجتماعية الصحية ".
الزمن الحاضر
وهكذا فإنه مع ظهور فكرة المسئوليةالاجتماعية للشركات على المستوى العالمي كان الأساس الذي يحتاجه هذا المصطلح للنمو محليا موجود ومتأصلفي المجتمع الكويتي، فبدأ الاهتمام الشديد بهذا الدور يظهر مؤخرا من قبل المؤسسات والشركاتالمحلية. و اليوم و بعد ترسيخ فكرة المسئوليةالاجتماعية و تطورها في ارض خصبة نستطيع الجزم بقدرة المؤسسات والشركاتالكويتية على القيام بدورها نحو مجتمعها .
و قد ظهر الاهتمام بشكل واضح و ملموس بفكرة المسئوليةالاجتماعية في " مؤتمر الكويت الأول للمسؤولية الاجتماعية " الذي عقد في ديسمبر 2004 حيث هبت مجموعة من الشركات العالمية للمشاركة في هذا الحدث الهام في دولة الكويت. ثم تلاه تنظيم " مؤتمر الكويت الثاني للمسؤولية الاجتماعية " في أبريل 2007 ، و الذي تبعه " مؤتمر الكويت الثالث للمسؤولية الاجتماعية " في يناير 2009 ... و مازالت مسيرة العطاء في مجال المسؤولية الاجتماعية مستمرة .