المسؤولية الاجتماعية في الأديان

المسئولية الأجتماعية في المسيحية:

تمتلئ أسفار العهد الجديد أو الإنجيل بوصايا المسيح عيسى ابن مريم " عليه السلام " والتي يحث فيها على مساعدة المحتاجين و المساكين و العطف عليهم ، السخاء و الكرم فيإعطاء الصدقات ، التحرر من حب المال و الحث على تخبئة الصدقة و عدم إعطائها فيالعلن حتى لا تكون رياء.

العشور في المسيحية:

لقد ورد لفظ " الصدقة و الصدقات " في إنجيلي متى و لوقابينما ذكرت " العشور " في باقي الأناجيل المسيحية.  و تعد العشور مصدرا اقتصاديا لمساعدة الفقراء و هي تقوم أساسا على توصيةالمسيحيين للعطاء و البذل للآخرين ، و في ما يلي شواهد على ذلك من الكتاب المقدس"هاتوا جميع العشور إلى الخزنة.. وجربوني بهذا":

·        ذكر في العديد من المواقع توجيه السيد المسيح لتلاميذه،فيقول : "أعطوهم أنتم ليأكلوا..إنني أشفق على الجميع" 3 وفي الإصحاح(5).

·        ذكر في الفقرتين(41) و(42) من إنجيل متى : "من سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده".

·        وردفي الإصحاح (11)، الفقرة(41) من إنجيل لوقا : "بل أعطوا ما عندكم صدقة فهو ذا كل شيءنقيا لكم" .

·        وكذلك في الإصحاح(13)، الفقرات (10_14) من إنجيل لوقا : " من له ثوبانفليعط من ليس له، ومن له طعام فليفعل هكذا." 4.

·        و في إنجيل لوقا 12-33 "بيعواأموالكم و أعطوا صدقة".

·        و في متى 19، 21، 22 "إن أردت أن تكون كاملاً فأذهب وبعأملاكك و أعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء" 5 وفي سفر الأمثال: "من يعطي الفقيرلا يحتاج، ومن يحجب عنه عينيه عليه لعنات كثيرة"

·        و يعد العطاء في السر من أهم شروطالعشور. و قد ورد في إنجيل متى "احترسوا أن تضعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات، فمتى صنعت صدقة فلا تصوت قدامكم كمايفعل المراؤون في المجامع و الأزقة لكي يمجدوا من الناس." و يضيف أيضاً: " وأما أنتفمتى صنعت صدقة فلا تعرف شمالك ما تفعل يمينك، لكي تكون صدقتك في الخفاء فأبوك الذييري في الخفاء هو يجازيك علانية" .

أنواع العشور:

العشور فريضة على الجميع و ليست مقصورة على الأغنياء فقط. فكل فردمسيحي عليه أن يقدم العشور سواء كان غنيا أو فقيرا ، و تشمل العشور كل ما يملكهالإنسان و منها :

·        المال : كل ما يملكهالإنسان من دخل سواء كان على شكل راتب ، أو دخلمن مشروعات صناعية أو تجارية أو خدمية أو غيرها.

·        الممتلكات : و هي كلما يزيد على الدخل مثل الإرث أو المنحة.

·        الصحة : يتم شكر الله على نعمة الصحة منخلال التطوع بمساعدة الآخرين بشكل فعلي مثل القراءة لكفيف.

·        الخبرات و المعرفة والتعليم و الفكر و الذكاء وأوجه التميز و يجب أن يستخدموا في إفادةو منفعة الآخرين.

مقدار العشور

من المعروف أن العشور تمثل 10% مما يمتلك الإنسان. و لكن منكتاب هاتوا العشور و جربوني أوضح الكاتب أنه يجب أن تكون العشور أكثر من العشر لأنهيجب على المسيحيين أن يدفعوا أكثر مما كان يدفع الكتبة و الفريسيين حيث أنهم كانوايعشرون كل شيء بدقة. و يستشهد الكاتب بنص الإنجيل: " إن لم يزد بركم عن الكتبة والفريسيين " كما يضيف، (فإذا كان هؤلاء قد عشروا أدق الأشياء مثل الشبت و الكمون والنعنع، فإننا في عهد النعمة نعطي أكثر من العشور ... لهذا لا يجب أن نخدر ضمائرنابدفع العشور فقط، و نشعر أننا قد أزحنا المسئولية عنا تماما." 9 .

المسئولية الإجتماعية في الإسلام:

جاء الإسلام خاتم الأديان السماوية و وضع حقوقأساسية للإنسان كفلها الله تعالى لعباده منذ أربعة عشر قرنا. فنجد أن حق الإنسان فيحياة كريمة هو من القواعد الثابتة في المنهج الإسلامي و ليس فقط نتيجة تجاربإنسانية ظهرت مع تقدم النظم السياسية و الاقتصادية كما حدث في العالم الغربي فيالقرن العشرين.

 

كما أشتمل الإسلام على مجموعة من المفاهيم التي تحث على المسؤولية الإجتماعية و التي تندرج تحت مفهوم التكافل الاجتماعي الذي يعتبر أهم الأسس التييقوم عليها المجتمع في الإسلام و التي تضمن سعادته و بقاءه في إطار من المودة والأمن و الوحدة و السلام.

 

و المعنى اللغوي للتكافل هو الانضمام أي "ضم ذمة إلىذمة لتتقوى إحداهما بهذا الضم". و بالمعنى المبسط أن كل فرد قادر من أفراد المجتمعيتعين عليه عون أخيه المحتاج و مساعدته حتى يضمن له على الأقل المستوى الأدنى من الحياةالكريمة و ضمان وجود الاحتياجات الأساسية و ذلك لجميع أفراد المجتمع دون التفرقةبين ديانة أو جنسية.

التكافل الاجتماعي في الإسلام لتحقيق الرخاء في المجتمع:

ظهر مفهومالتكافل الاجتماعي في كثير من الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية. فيقول الله سبحانه و تعالىفي قرآنه الكريم { إنما المؤمنون إخوة } [سورة الحجرات، آية 10] كما يقول { و المؤمنونو المؤمنات بعضهم أولياء بعض} [سورة التوبة، آية 71].

كما ورد في السنة النبوية الكثير منالأحاديث التي تحث المسلمين على التآخي و الإيثار من أجل الآخرين. فقد قال رسول اللهصلى الله عليه و سلم، " المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا" و قوله "مثلالمؤمنين في توادهم و تراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسدبالسهر و الحمى". و أيضا قوله صلى الله عليه و سلم، "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيهما يحب لنفسه" .

و من أهم الأساسيات التي حثعليها الله تعالى في جميع رسالاته هو الإنفاق في سبيل الله. فلقد قال الله تعالى فيقرآنه الكريم، { ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل، و منيبخلفإنما يبخل عن نفسه، و الله الغني و أنتم الفقراء و إن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثملا يكونوا أمثالكم } [سورة محمد، آية 38]. كما يقول تعالى {و لا يحسبن الذين يبخلونبما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم، سيطوقون ما بخلوا به يومالقيامة} [سورة آل عمران، آية 180].

و قد وصل إلزام الإسلام على المسلم أن يعطيلأخيه المحتاج إلى الحد أنه إذا لم تكفي الزكاة و الصدقات، فعلى المجتمع ككل أنيشارك بعضه بعضا في الكفاف. كما قال الله تعالى، { كي لا تكون دولة بين الأغنياءمنكم} [سورة الحشر، آية 7]. كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، "ليس بمؤمن من باتشبعان و جاره جائع إلى جنبه و هو يعلم"، كما قال، "أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤجائعا، فقد برئت منهم ذمة الله و رسوله".

علما بأن التكافل لا يعني فقط الشعور بالتعاطف السلبي و الوقوف عندهذا الحد و لكن يجب أن يصاحبه الفعل الإيجابي. و لهذا أوجد الإسلام وسائل عديدة للمسلم لكي يحقق التكافلالاجتماعي منها الزكاة، الصدقات، الوقف و هو صدقة جارية، الديات، الكفارات، والنذور.

الزكاة في الإسلام:

الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام و قد أمر الله تعالى بها و ذكرهافي كتابه الكريم في اثنين و ثمانين آية مما يدل على أهميتها. و فرضت الزكاة علىكل مسلم ومسلمة حر، مالك للنصاب و مر عام هجري كامل على ملكية النصاب.

و الزكاة في اللغة هي الطهارة و النماء و البركةو المدح ، و تطلق على ما يخرج من المال للمساكين من حقوقهم، لأنه تطهير للمال وتثمير و إصلاح و نماء، و قوله تعالى: (وتزكيهم بها) أي تطهرهم بها. فالزكاة تطهر صاحبها عن الآثام.

كما أن كلمة الزكاة في الإسلام تعني المقادير التي فرضهاالله على الأغنياء للفقراء المستحقين. و قد اطلق أيضا عليها صدقة لأنها تدل علىالصدق في الإيمان. و يقال زكا الشيء إذ زاد و كثر، و سميت صدقة المال زكاة لأنهاتعود بالبركة في المال الذي أخرجت منه الزكاة فيحفظه الله من التلف.

الزكاة كوسيلة للتكافل الاجتماعي:

تلعب الزكاة دورا هاما لتحقيق التكافل الاجتماعي، و هي كما وصفها الكثير من العلماء مؤسسة الضمان الاجتماعي، حيث أنهاإلزامية و لها مصارفها و قيمتها المحددة. و لقد نجحت الزكاة في العصور الإسلاميةالسابقة كمؤسسة، متمثلة في بيت المال و الذي كان من مسؤوليات الحاكم، في تحقيقأهدافها في الإسهام بشكل كبير في تحقيق التنمية الاقتصادية. الزكاة لها دورا كبيرافي تحقيق التأمين و التعاون الاجتماعي حيث أنها تقف بجانب كل من يصاب بكارثة مثلمرض أو حادثة أو دين أو ما شابه ذلك. فالزكاة تضمن التعاون الاجتماعي بين أفرادالمجتمع لأن الإنسان المصاب و المحتاج لن يترك وحده في وقت محنته. كما أن الزكاةكانت في العصور الإسلامية الماضية أول مؤسسة للضمان الاجتماعي حيث أن الحاكم كانالمنوط بجمع أموال الزكاة و توزيعها و تحقيق حد الكفاية و سد احتياجات الفقراء و فينفس الوقت خلق فرص عمل لهم لتحويلهم إلى أشخاص منتجين في المجتمع. و قد ضربالخليفان عمر بن الخطاب و عمر بن عبد العزيز أروع الأمثلة في ذلك.

فالزكاة لم تكن فقط مجرد إعطاء بعض منالمال لإطعام الفقراء، إنما كانت وسيلة حقيقية للقضاء على الفقر و ذلك عن طريقتوفير فرص عمل مثل أن يعطى الشاب الفقير رأس مال كي يبدأ تجارة و أن يشتري آلةلحرفة يعلمها. و من هنا نجد أن الزكاة أداة من أدوات التنمية و القضاء الفعلي علىالفقر.

و لقد أكد الإسلام على ضرورة مراعاة الحاكم لرعاياه بتحري الحق و العدل و تحقيقالعدالة الاجتماعية و التكافل الاجتماعي. و كما قال عليه الصلاة و السلام، "ما من عبد يسترعيه الله عز و جل رعية، يموتيوم يموت و هو غاش رعيته إلا حرم الله عليه الجنة" .

على صعيد آخر، تلعب الزكاة دورا حيويا في إنعاش الاقتصاد و تحقيقالتنمية الإقتصادية و ذلك نتيجة ثلاثة عوامل أساسية و مترابطة هي محاربة اكتناز الاموال ويتضح هذا المبدأ عند معرفة أن الإسلام لا يشجع إبقاء قطعة أرض لمدة أكثر من ثلاثةسنين دون إعمارها. و مبدأ تشجيعالاستثمار لانه من الأساسيات أن تستثمر أموال الزكاة لكي تنمى و تدفع الزكاة كل عام من أرباح هذاالاستثمار و ليس من أصل رأس المال. و المبدأ الثالث تشجيع الإنفاق .

أن أموال الزكاة يجب أن يستفاد بها في أن تحول الفقير إلى عضو عامل و منتج فيالمجتمع كل حسب مهاراته و قدراته أموال الزكاة لا تستخدم فقط لسد احتياجات الفقراء الاستهلاكية مثل الطعام و الملبس، إنما يجب أنتستخدم في خلق أدوات للاستثمار لهؤلاء الفقراء حتى يستطيعوا أن يمتلكواأدوات الإنتاج التي تضمن لهم دخل ثابت و بالتالي سد احتياجاتهم بصفة مستمرة.

 و من ثم، يجب استخدام أموال الزكاةفي بناء المصانع و المؤسسات التجارية و خلق أنشطة مدرة للدخل لتحول الفقراء منمتلقين للزكاة إلى دافعي الزكاة. و تلك الوسيلة تعد منأكفأ الوسائل التي تحول المجتمع بأكمله إلى مجتمع منتج به تنمية بشرية و اقتصادية وخالي من البطالة و الفقر.

الوقف في الإسلام:

تعريف كلمة الوقف لغويا هو الحبس، (فنقول وقفت الدار على المسجد، أيحبسته عليه لينفق من أجره الدار على مصالح المسجد). و الوقف في الشريعة هو حبس المال أو وقفهسواء كان على شكل عقار أو محل تجاري أو غيرهما لينفق من ريعه على من يحتاج من طلابالعلم أو اليتامى و الأرامل وغيرهم كنوع من أنواع الصدقة الجارية. و بالتالي يعتبر الوقف مؤسسة لها كيانها الاجتماعي المميز و لها مقصدهاالخيري المحدد ولها آلية التنفيذ المنظمة.

لم يكن الوقف معروفا في عهد الجاهلية ولكن دعا إليه الرسول صلى الله عليه و سلم بعد ظهور الإسلام كنوع من أنواعالصدقة الجارية التي يجني الفقراء و المحتاجين ثمارها بصورة مستمرة دون توقف.

و لقدشجع الرسول صلى الله عليه و سلم الصدقة الجارية متضمنة الوقف بقوله : " إذا مات ابنآدم انقطع عمله إلا من ثلاث " صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له " . والأساس الديني للوقف في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يرتبط بالخليفة عمر بن الخطاب فعندما حصل على بساتين و حقول كغنيمة له بعد فتح العرب لخيبر فأتى النبي صلىالله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخبير لم أحب مالا قط أنفس عنديعنه ، فما تأمرني به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. فتصدق بها عمر. إنها لاتباع ولا توهب ولا تورث، وتصدق بها في الفقراء وفي الرقاب. وفي سبيل الله، وابنالسبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول. و منذذلك الحدث انتشر الوقف بين المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم و استمربعده قرونا طويلة. و يجوز الوقف على أهل الذمة مثل المسيحيين و التصدق عليهم.

دور الوقف في التنمية

لعب الوقف في وقت ازدهاره دورا فعالا في تحقيقالتنمية بمفهومها الواسع متضمنة ما يلي :

·        التنمية العلمية : يساهم مال الوقف في التنمية العلمية و تحصيل العلم من خلال إنشاء المدارس و المكتبات.

·        التنمية الاجتماعية : تنوعت الخدمات الاجتماعية التي قدمتها الأوقاف مثل بناء المستشفيات - علاج المرضى - مساعدة الغير قادرين على مصاريف فريضة الحج - تزويج الفتيات الفقيرات -بناء أوقاف لليتامى أو المسنين أو المكفوفين.

التنميةالاقتصادية : من السهل الحصول على محالات تجارية بأسعار مخفضة في الأسواق الموقوفة، مما أدى إلى انخفاض الأسعار بها أكثر من الأسواق التي ليس بها أوقاف ، و بالتالى انخفاض الأسعار في الأسواق الأخرى لتستطيع أن تروج سلعها و تجاري أسواق الأوقاف. تنشيط التجارة الداخلية : و ذلك لان حصول الفئة الفقيرة على مال الوقف زاد من قدرة الطلب على كثير من السلع و الخدمات التي كانت ستكون مقصورة على الطبقة الغنية لولا الوقف. تنشيط التجارة الخارجية : الوقف على أحواض المياه أي ماء السبيل الواقعة بين الطرق التجارية الهامة ساعد بصورة فعالة على تيسير مرور القوافل التجارية و التنقل بين المدن و القرى.